إن الأدب في الإسلام ليس زينة زائدة ولا خلقا ثانويا يستغنى عنه، بل هو جوهر الدين وروحه، وبه يعرف المسلم الصادق من غيره، وبه ترتفع المجتمعات وتسمو النفوس. وقد قرن الله تعالى الإيمان بحسن الخلق في مواضع كثيرة من كتابه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن أثقل ما يوضع في ميزان العبد يوم القيامة حسن الخلق، وأن أقرب الناس منه مجلسا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا. ومن هنا كان الاعتناء بكتب الأدب النبوي من أهم ما ينبغي للمسلم أن يعنى به في قراءته وتربيته لنفسه وأهله، لأن هذه الكتب تجمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتطبيق، فلا يقرأ فيها القارئ حكما مجردا، بل يرى صورة حية لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام في تعاملهم مع الله ومع الناس.
ومن أشهر الكتب التي ألفت في هذا الباب وأعظمها نفعا كتاب الأدب المفرد للإمام محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله، صاحب الصحيح الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى. وقد أفرد البخاري هذا الكتاب للأحاديث والآثار المتعلقة بالآداب والأخلاق، فجمع فيه ما تفرق في غيره من كتب الحديث، ورتبه على أبواب تتناول تفاصيل الحياة اليومية للمسلم: بر الوالدين، وصلة الرحم، وحق الجار، وإكرام الضيف، وحسن الجوار، والرفق بالضعفاء واليتامى والمساكين، وآداب الكلام والسلام والمجالس، والحياء والتواضع والصبر والحلم، والنهي عن الغيبة والنميمة والكبر والحسد وسائر مساوئ الأخلاق. فالكتاب بهذا موسوعة عملية مصغرة في الأخلاق الإسلامية، يجد فيها القارئ في كل باب أحاديث نبوية وأقوالا للصحابة والتابعين تبين له كيف يكون الأدب في ذلك الباب.
ويتميز الأدب المفرد بأنه ليس كتاب فقه ولا كتاب عقيدة، وإنما هو كتاب تربية وسلوك، جمع فيه البخاري رحمه الله نحو ألف وثلاثمائة حديث وأثر، موزعة على أكثر من ستمائة باب، منها الأحاديث الصحيحة والحسنة، ومنها الضعيفة التي اعتمد عليها أهل العلم في فضائل الأعمال والآداب، وقد بين العلماء بعد ذلك درجات هذه الأحاديث، وأشهر من فعل ذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله، حيث قسم الكتاب إلى صحيح الأدب المفرد وضعيف الأدب المفرد، فصار بإمكان القارئ أن يميز بين الصحيح من الأحاديث وغيره. وقد حظي الكتاب بعناية كبيرة من العلماء قديما وحديثا، فشرح واختصر وترجم إلى لغات كثيرة، ومن أشهر شروحه شرح الملا علي القاري رحمه الله المسمى فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد.
وأما مؤلف الكتاب فهو الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، المولود سنة أربع وتسعين ومئة للهجرة، والمتوفى سنة ست وخمسين ومئتين. نشأ يتيما، وحفظ القرآن وهو صغير، ثم رحل في طلب الحديث إلى مكة والمدينة والشام ومصر والعراق وخراسان، حتى صار إمام أهل الحديث في زمانه بلا منازع، وشهد له العلماء بالحفظ والإتقان والورع. ومن أعظم مؤلفاته الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخاري، والتاريخ الكبير، والأدب المفرد الذي نقدمه لكم في هذه الصفحة. وقد كان البخاري رحمه الله مثالا حيا للأدب الذي دونه في كتابه، فقد عرف بالتواضع والحياء وحسن معاملة الناس، حتى قال عنه من عاصره إنه كان آية في الأخلاق كما كان آية في الحفظ.
إن قراءة هذا الكتاب نافعة لكل مسلم ومسلمة، للصغير والكبير، للعالم وطالب العلم، لأنه يعالج قضايا يعيشها الإنسان كل يوم: كيف يبر والديه؟ وكيف يصل رحمه؟ وكيف يعامل جاره وزميله وضيفه؟ وكيف يضبط لسانه فلا يؤذي به أحدا؟ وكيف يكون صادقا أمينا حييا متواضعا؟ وهذه كلها أبواب يحتاجها المسلم في حياته اليومية أكثر من احتياجه إلى كثير من المسائل النظرية. ومن أحسن طرق الانتفاع بالكتاب أن يقرأه القارئ بابا بابا، وأن يحاسب نفسه بعد كل باب: هل أنا مطبق لما في هذا الباب أم مقصر فيه؟ وأن يعلمه أهل بيته وأولاده، فإن تربية الأولاد على هذه الآداب النبوية من أعظم ما يقدمه الوالدان لأبنائهما.
والنسخة التي نقدمها لكم هنا هي نسخة مميزة تجمع بين النص العربي الأصيل والترجمة الإنجليزية، فيصير الكتاب نافعا لغير الناطقين بالعربية أيضا، ولمن يريد أن يتدرب على فهم النصوص العربية بمقابلتها بالترجمة. وتقع هذه النسخة في مئة وست وسبعين صفحة، وهي خفيفة الحجم سهلة التحميل، ومناسبة للقراءة على الهاتف والحاسوب. وقد أخذت هذه النسخة من موقع كلام الله (Kalamullah.com)، وهي نسخة واضحة الطباعة حسنة الإخراج، تصلح للقراءة الفردية وللتدريس في الحلقات العلمية.
ونوصي كل قارئ بأن يجعل له وردا يوميا من هذا الكتاب، ولو حديثا واحدا كل يوم، وأن يحفظ ما يستطيع من أحاديثه، وأن يعمل بما فيها، فإن العلم بلا عمل حجة على صاحبه، وإن الأحاديث التي في هذا الكتاب ليست للزينة ولا للتفاخر بالحفظ، وإنما هي منهج حياة كامل، من سار عليه عاش سعيدا مطمئنا، ونال محبة الله ومحبة الناس، ومن أعرض عنه عاش في جفاء وغلظة ووحشة. نسأل الله تعالى أن ينفعنا بهذا الكتاب، وأن يرزقنا حسن الأدب مع الله ومع رسوله ومع خلقه، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
معلومات عن الكتاب
إسم الكتاب: الأدب المفرد
المؤلف: الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (194-256هـ)
اللغة: العربية مع الترجمة الإنجليزية
عدد الصفحات: 176 صفحة
الحجم: 2.3 MB
الصيغة: PDF
المصدر: موقع Kalamullah.com عبر Internet Archive
رابط التحميل
أضغط الرابط التالي للتحميل المباشر مجانا:


لا يوجد تعليقات
أضف تعليق