يُعدُّ كتاب البداية والنهاية للإمام ابن كثير من أعظم كتب التاريخ الإسلامي وأشملها، إذ يبدأ من بدء الخليقة، ويمر بتاريخ الأنبياء والأمم السابقة، ثم بتاريخ الإسلام من بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر المؤلف، ويختم بذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة، في رحلةٍ تاريخيةٍ طويلة، تجمع بين الرواية الصحيحة، والتحليل النقدي، والعبرة والموعظة. ولذلك صار الكتاب مرجعًا أساسيًا لكل من أراد أن يفهم تاريخ الأمة فهمًا متسلسلًا، وأن يربط بين أحداث الماضي وحاضر المسلمين، وأن يستخلص من التاريخ سنن الله في الأمم، وأسباب نهوضها وسقوطها.
نبذة عن المؤلف
هو إسماعيل بن عمر بن كثير، المعروف بابن كثير، من أعلام القرن الثامن الهجري، وأحد أئمة التفسير والحديث والتاريخ. وُلد في بصرى بالشام سنة 701هـ، ونشأ يتيمًا، ثم انتقل إلى دمشق، وطلب العلم على كبار علمائها، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي تأثر به، وعلى الحافظ المزي، الذي صاهره، وتتلمذ عليه في علم الحديث. واشتهر ابن كثير بالحفظ والإتقان، وبالتحقيق النقدي للأخبار، وبأسلوبه الواضح في التفسير والتاريخ، وله مؤلفات عظيمة، أشهرها تفسير القرآن العظيم، الذي صار من أهم التفاسير بالمأثور، وكتاب البداية والنهاية، الذي نحن بصدده، وغيرهما من الكتب النافعة. وتوفي في دمشق سنة 774هـ، تاركًا علمًا نافعًا ما زال يُدرس ويُقتبس إلى اليوم.
عن الكتاب ومحتوياته
يقع الكتاب في أجزاء كثيرة، ويقسمه المؤلف إلى أقسام كبرى: يبدأ بذكر بدء الخلق، وخلق العرش والكرسي والسماوات والأرض، ثم بقصص الأنبياء عليهم السلام، من آدم إلى عيسى عليهما السلام، مع تحقيق الروايات، وبيان الصحيح منها والضعيف، ورد الإسرائيليات الباطلة. ثم ينتقل إلى السيرة النبوية، فيذكر نسب النبي صلى الله عليه وسلم، ومولده، وبعثته، وغزواته، ووفاته، بأسلوبٍ يجمع بين السرد والتحقيق. ثم يبدأ التاريخ الإسلامي مرتبًا على السنين، من خلافة أبي بكر رضي الله عنه، إلى عصر المؤلف، فيذكر الأحداث والوفيات والتراجم، سنةً سنة، مما يجعل الكتاب سجلًا زمنيًا دقيقًا لتاريخ الأمة.
ولا يقف الكتاب عند سرد الأحداث، بل يتضمن تراجم كثيرةً للعلماء والخلفاء والقادة، ويذكر الفتن والملاحم في جزئه الأخير، المعروف بالنهاية، فيتحدث عن أشراط الساعة، وعن الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وعن يوم القيامة، وما بعده، مما يجعل الكتاب جامعًا بين التاريخ والعقيدة، وبين الماضي والمستقبل، وبين العبرة والاستعداد. كما يتميز ابن كثير في كتابه بنقده للأخبار، فلا يقبل كل ما يروى، بل يميز بين الصحيح والضعيف، وينبه على الواهي والموضوع، وهو منهجٌ علمي رفيع، جعل كتابه أوثق من كثيرٍ من كتب التاريخ التي سبقته.
Baca Juga:
أهمية الكتاب
تكمن أهمية البداية والنهاية في شموله ودقته، فهو يقدم للمسلم تاريخًا متكاملًا من البداية إلى النهاية، في مصدرٍ واحد، مما يغنيه عن الرجوع إلى كتبٍ كثيرةٍ متفرقة. وهو يفيد طالب العلم في معرفة تسلسل الأحداث، ويفيد الداعية والمربي في استخلاص العبر من التاريخ، ويفيد القارئ العام في فهم كيف نشأت الأمة، وكيف مرت بمراحل القوة والضعف، وما هي الأسباب التي رفعتها، وما هي الأخطاء التي أضعفتها. كما أن الكتاب يربي على الاعتزاز بالهوية، وعلى فهم أن التاريخ ليس مجرد حكاياتٍ ماضية، بل هو مرآةٌ للحاضر، ومدرسةٌ للمستقبل، وأن من جهل تاريخه عرَّض نفسه لتكرار أخطائه.
أثر الكتاب وتأثيره
ترك البداية والنهاية أثرًا عظيمًا في كتابة التاريخ الإسلامي بعده، إذ اعتمد عليه كثيرٌ من المؤرخين، ونقلوا عنه، واختصروه، وشرحوه، وصار من الكتب التي لا تخلو منها مكتبةٌ علمية، وقد طُبع طبعاتٍ كثيرة، وحقق تحقيقًا علميًا، وترجم بعض أجزائه إلى لغاتٍ أخرى. ولا يزال الكتاب حتى اليوم مرجعًا للباحثين في التاريخ والسيرة، ومصدرًا للخطباء والدعاة في قصص الأنبياء والسيرة، وقد كان سببًا في تعريف أجيالٍ كثيرةٍ بتاريخ أمتهم، وفي غرس الاعتزاز بها، وفي فهم سنن الله في الأمم، وهو أثرٌ لا يقدر بثمن، إذ يربط المسلم بماضيه، ويعينه على فهم حاضره، والاستعداد لمستقبله.
خلاصة
إن البداية والنهاية موسوعةٌ تاريخيةٌ عظيمة، تجمع بين العلم والتحقيق والعبرة، وننصح كل قارئٍ أن يقتنيه، وأن يقرأ منه ما تيسر، وأن يبدأ بقصص الأنبياء والسيرة، ثم يتدرج في تاريخ الإسلام، فإن فيه من الفوائد والعبر ما لا يوجد في كتابٍ آخر. ونسأل الله أن ينفع به، وأن يجعله سببًا لصلاح أحوالنا، وعودتنا إلى مجد أمتنا.
تحميل الكتاب
يمكنك تحميل المجلد الأول من كتاب البداية والنهاية لابن كثير بصيغة PDF من الرابط التالي: تحميل كتاب البداية والنهاية (المجلد الأول) PDF، والكتاب الكامل يتكون من 25 مجلدًا، ويمكنك الوصول إلى صفحة المجموعة الكاملة من هنا: صفحة مجموعة البداية والنهاية الكاملة على archive.org


لا يوجد تعليقات
أضف تعليق